عاصفة «فينوغراد»… والجيش الذي «كان» لا يقهر!

عمار تقي
جريدة الراي الكويتية

تحدثنا في مقالنا السابق عن الضرر الاستراتيجي الكبير الذي لحق بالكيان الصهيوني جراء هزيمته النكراء أمام المقاومة الإسلامية في الحرب التي شنها على لبنان صيف العام 2006، وذلك على اثر ما جاء في التقرير النهائي للجنة «فينوغراد» المكلفة بالتحقيق في إخفاقات الحرب. وتطرقنا إلى موضوع الإحساس بالعجز والفشل الذي منيت به المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية والمجتمع الإسرائيلي برمته، كما أكد التقرير بأنه ورغم التخطيط المسبق للعدوان والدعم الداخلي والدولي اللا محدود لإسرائيل في الحرب على لبنان، إلا أن الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية قد منيا بفشل ذريع بعد عجزهما في تحقيق أي من الأهداف التي قامت الحرب عليها!
التقرير النهائي صدر وما زالت تبعاته تتفاعل سلبا داخل الكيان الصهيوني، إلى درجة أن اعتبره بعض الإسرائيليين أكثر فتكا من التقرير المرحلي، على الرغم من محاولة البعض التقليل من شأن هذا التقرير بالمقارنة مع التقرير المرحلي. يقول عوزي بنزمان، وهو أحد ابرز الكتاب الإسرائيليين في صحيفة «هآرتس»، إن: «التقرير النهائي الذي أعدته لجنة فينوغراد خطير، إن لم نقل فتاك، في حكمه على أداء رئيس الوزراء بدرجة لا تقل عن التقرير الأولي». أما ناحوم بارنياع فقد أشار في مقاله المعنون بـ «كل المهانة للجيش» في «يديعوت أحرونوت» إلى أنه «لم يكتب أبداً تقريرا رسميا صعبا إلى هذا الحد حول الجيش الإسرائيلي ولا حتى في أكثر الأيام إرباكاً كالتي عاشها الجيش في مطلع الخمسينات».
بداية دعونا نسترجع بعضا من ذكريات تلك الحرب والهزيمة الساحقة التي لحقت بما كان يعرف بأقوى جيش في المنطقة، لنرى كيف أن التقرير عندما تحدث عن الضرر البالغ الذي أصاب المؤسسة العسكرية، التي تشكل عصب الكيان الصهيوني، لم يبالغ في وصفه.
كرس تقرير لجنة «فينوغراد»،على سبيل المثال لا الحصر، فصلا كاملا حول سلاح الجو الإسرائيلي، والضربة المعنوية التي أصابت الجيش الإسرائيلي نتيجة استهداف البارجة العسكرية من قبل مقاتلي «حزب الله»، فقد خلص التقرير إلى التأكيد على الضرر الخطير في مجال الوعي لدى الجيش الذي نجم عن استهداف البارجة، وقد جاء في التقرير: «من الصعب أن نفهم كيف تتابعت سلسلة طويلة من الإخفاقات التي وضعت علامة سؤال كبيرة حول المستوى المهني للقيادات الصغيرة والكبيرة في سلاح الجو والبحرية، وحول الثقافة التنظيمية المعتمدة لديهم» وأضاف التقرير: «نعتقد أن جزءاً مهماً من المشكلات التي كشف عنها هنا انعكست على كل قواعد التشغيل وتدابير السلامة في سلاح البحر برمته».
هذا على صعيد سلاح البحر، أما على صعيد العمليات البرية فالضرر في مجال الوعي لدى الجيش الإسرائيلي الذي أشار إليه تقرير لجنة «فينوغراد» لم يكن بأحسن حالا من سلاح البحر، فقد أشار كتاب «نيران صديقة» لمؤلفه المحرر العسكري لصحيفة «معاريف» عمير ربابورت إلى تآكل قوة الردع الإسرائيلية جراء الحرب على لبنان، وذلك بعد أن استعرض بشكل مفصل تطورات العدوان على لبنان، وقام بتتبع مسلسل الأخطاء التي وقع بها صناع القرار الإسرائيليون، على المستويين السياسي والعسكري، وأدت إلى فشل العدوان في تحقيق أغراضه المعلنة. واستعرض الكتاب استنادا لوثائق داخلية وشهادات كثيرة أسباب فشل العمليات العسكرية الإسرائيلية. وعلى سبيل المثال، يروي الكتاب قصة الحرب بتفصيل لافت موضحا أن الجيش الإسرائيلي حاول منذ الأسبوع الأول كسب المعركة على الوعي، عبر رفع راية إسرائيلية فوق منازل داخل بنت جبيل، التي كان الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله ألقى فيها خطابه المشهور «خيوط العنكبوت» في عام 2000. ويشير المؤلف ربابورت إلى أن الجيش قد خطط لاحتلال بنت جبيل في اليوم الثامن للحرب، ومن ثم يقوم بتنظيم مسيرة نصر ومهرجان خطابي بمشاركة رئيس الوزراء إيهود أولمرت يقام في المكان الذي قدم فيه السيد نصر الله خطابه المذكور، لكن بنت جبيل صمدت وتحولت إلى رمز مرة أخرى، رمز للفشل، بحسب مؤلف الكتاب.
ودعونا هنا نتوقف هنيهة عند أحد مشاهد الجحيم الذي تعرض لها الجيش الإسرائيلي، من قبل مقاتلي حزب الله، للتدليل أكثر على الضرر الذي أصاب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. ففي حديث مطول مع الضابطين ران سيجف وعومر إلعاد مع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية قبيل نشر تقرير «فينوغراد» النهائي، تذكرا فيه ملامح الجحيم الذي تعرضا له وجنودهما في أثناء محاولاتهما الاقتراب من ثكنة لمقاومين لـ «حزب الله» في مدخل قرية عيتا الشعب. فقد ذكرت الصحيفة على لسان الضابطين أنهما تلقيا أوامر عليا بدخول جنوب لبنان بمرافقة دبابة، بعد ساعة ونصف الساعة من عملية أسر الجنديين، بغية احتلال ثكنة عسكرية لـ «حزب الله»، ولفت الضابطان الانتباه لسرعة تكبد قواتهما خمسة قتلى، في عملية عجولة غرائزية غير مدروسة وخاطئة، وإصابة خمسة آخرين بجراح، وقال سيجف انه دخل وجنوده كالحمقى، وخرجوا من هناك ناقصين خمسة، وتلك كانت الإشارة الرسمية التي أذنت بحرب لبنان الثانية. وأوضح سيجف أن العملية فشلت منذ البداية، فقد اصطدمت الدبابة التي سارت أمامهم بلغم يزن طنا من الديناميت، ولفت إلى وقوع انفجار كبير هز الشمال والجنوب، واهتزت الأرض وتطايرت الدبابة إرباً في الهواء، كأنها مصنوعة من ورق! وأضاف: «لم يبق للدبابة أثر، ومرت ثوان حتى فهمت أن الحفرة العميقة هي المكان الذي وقفت عليه الدبابة، وبدأنا نبحث عن طاقمها، وبالكاد وجدنا أشلاء، فجثثهم أيضاً لم يبق لها أثر».
هذه الأحداث وغيرها، هي التي أصابت المؤسسة العسكرية في مقتل، بعد انهيار معنويات الجنود الإسرائيليين، إلى درجة أن الوحدات القتالية شهدت تراجعاً كبيراً في الانضمام إليها بعد حرب يوليو. فقد كشفت معطيات جديدة في الجيش الإسرائيلي أن الوحدات القتالية شهدت منذ انتهاء الحرب تراجعاً كبيراً في الانضمام إليها، وتبين من بحث أجري بين الجنود أن الفشل الإسرائيلي في الحرب، وما كشفه الجنود من حقائق في أرض المعركة، دفع المجندين الجدد في الجيش إلى التهرب عموماً، ورفض الانضمام إلى الوحدات القتالية، خصوصاً. وبموجب البحث، فإن الغالبية الساحقة من المجندين الجدد ترفض الانضمام إلى وحدة «جفعاتي» التي تعتبر الوحدة الأهم في الجيش الإسرائيلي.
هذا الوضع المزري في الجيش الإسرائيلي، أدى إلى تعالي أصوات عسكرية، حسب الكاتب يوسي يهوشع، من صحيفة «يديعوت أحرنوت»، إلى التحذير من إمكانية أن يؤدي تقرير لجنة «فينوغراد» إلى شلل في أوساط الضباط الذين سيفضلون انتهاج سياسة الرأس الصغير وسياسة تغطية القفا! وأضاف يهوشع: «في الجيش الإسرائيلي يخشون اليوم من أن يؤثر التقرير على الدافعية لمواصلة خدمة ضباط نوعيين يوجدون الآن في مرحلة الحسم». ويرى يهوشع أنه استناداً لتلك الأصوات العسكرية فإنه «بعد الحرب، كان الجيش في درك أسفل غير مسبوق من ناحية صورته، لكن ومنذ ذلك الوقت طرأ تحسن تدريجي، أما الآن فان تقرير فينوغراد يعيدهم مرة أخرى إلى الوراء ويمس شديد المساس بصورة الجيش، ومن شأنه أن يمس بدافعية أولئك الضباط للبقاء في الخدمة الدائمة». هذا الأمر ذاته الذي أشار إليه أيضا المحلل السياسي في صحيفة «هآرتس» آري شبيط بقوله: «العام 2007 لم يكن عام تداو وشفاء للجيش الإسرائيلي، بل بالعكس… فالجيش مازال جريحاً يعاني من التهرب من الخدمة العسكرية». نكتفي في هذا المقدار هنا، وكما اشرنا في مقالنا السابق، فإن ثمة الكثير الذي يقال عن توابع هذا التقرير، لذا فإن لنا عودة مجدداً لهذا الزلزال التاريخي.

ملاحظة: المصادر من صحيفة الخليج الإماراتية

أكتب تعليقاً